ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 3 أغسطس 2018 زيارة: 366

يخطيء كثير من الناس في فهم حديث لا تشد الرحال

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: منهج السلف في فهم النصوص بين النظرية والتطبيق (ص48-51)
تأليف: السيد محمد بن علوي المالكي

عن أبي هريرة (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومسجد الأقصى” رواه البخاري[1].

يخطيء كثير من الناس في فهم حديث: “لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِد: المَسْجِدِ الحَرَام وَمَسْجِدِي هَذَا وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى”.

فيستدلون به على تحريم شَدِّ الرحال لزيارة النبي (صلى الله عليه وسلم)، ويعتبرون أن السفر بذلك سفر معصية وهذا الاستدلال مردود لأنه مبني على فهم باطل – كما سيأتي -:

قال شيخ الإسلام الفيروز آبادي: أما حديث: “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد” فلا دلالة فيه على النهي عن الزيارة بل هو حجة في ذلك، ومن جعله دليلا على حرمة الزيارة فقد أعظم الجراءة على الله ورسوله، وفيه برهان قاطع على غباوة قائله وقصوره عن نيل درجة كيفية الاستنباط والاستدلال[2].

قلت: فالحديث – كما سترى – في باب والاستدلال في باب آخر.

وبيان ذلك: أن قوله (صلى الله عليه وسلم): “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد” جاء على الأسلوب المعروف عند اللغويين بأسلوب الاستثناء وهذا يقتضي وجود مستثنى ومستثنى منه، فالمستثنى هو ما كان بعد إلا، والمستثنى منه هو ما كان قبلها وهو لابد منه إما مذكورا أو محذوفا، وهذا مقرر ومعروف في أبسط كتب النحو.

وإذا نظرنا إلى هذا الحديث وجدنا أنه قد جاء فيه التصريح بذكر المستثنى وهو قوله: (إلى ثلاثة مساجد) وهو ما بعد (إلا) ولم يأت ذكر المستثنى منه وهو ما قبل (إلا) فلابد إذاً من تقديره.

فإن فرضنا أن المستثنى منه (قبر) كان اللفظ المنسوب لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) (لا تشد الرحال إلى قبر إلا إلى ثلاث مساجد) وهذا السياق ظاهر في عدم الانتظام وغير لائق بالبلاغة النبوية. فالمستثنى غير داخل ضمن المستثنى منه – والأصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، ولا يطمئن قلب عالم – يتحرج من نسبة كلام للمصطفى (صلى الله عليه وسلم) لم يقله – إلى نسبة هذه اللفظة (قبر) – وهي لا تتفق مع الأصل في الاستثناء – إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعليه فلا تصلح أن تكون هي المستثنى منه.

فلنفرض أنها لفظ (مكان) وهو المسمى بعموم الحديث السياق المقدر المنسوب لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) على هذا الفرض: (لا تشد الرحال إلى مكان إلا إلى ثلاثة مساجد)، ومعنى هذا ألا نسافر إلى تجارة أو علم أو خير، وهذا ضرب من الهوس ظاهر البطلان.

إذا فالحديث اشتمل على ذكر المستثنى وليس فيه ذكر المستثنى منه، ولذلك لابد من تقديره باتفاق أهل اللغة.

وتقديره لا يحتمل إلا ثلاثة وجوه لا رابع لها:

الوجه الأول: أن يكون تقديره بلفظ (قبر) فيكون اللفظ المقدر “لا تشد الرحال إلى قبر إلا إلى ثلاثة مساجد”.

وهذا التقدير مبني على رأي من يستدل بالحديث على منع السفر لزيارة قبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأنت ترى أنه تقديرٌ بارد ممجوج لا يستسيغه من عنده أدنى إلمام بالعربية، ولا تليق نسبته إلى أفصح من نطق بالضاد (صلوات الله وسلامه عليه)، فحاشا أن يرضى بمثل هذا الأسلوب الساقط.

الوجه الثاني: أن يكون تقدير المستثنى منه في الحديث بلفظ عام، وهو لفظ مكان هذا باطل كما تقدم بلا خلاف ولا قائل به.

الوجه الثالث: أن يكون تقدير المستثنى منه في الحديث بلفظ (مسجد) فيكون سياق الحديث: بلفظ “لا تشد الرحال إلى مسجد إلا إلى ثلاثة مساجد”.

وبهذا التقدير يكون أسلوب الكلام قد انتظم وجرى على الأسلوب اللغوي الفصيح واختفى التهافت الواضح في الصورتين المتقدمتين وأشرقت فيه روح النبوة، وبهذا يطمئن القلب النقي إلى نسبته لرسول الله (صلى الله عليه وسلم).

هذا بفرض أنه لا توجد رواية أخرى مصرحة بالمستثنى منه، فإذا وجدت هذه الرواية، فلا يحل لمن له دين أن يعدل عنها إلى محض فرض لا يستند إلى فصيح اللغة.

وقد وجدنا بحمد الله في السنة النبوية من الروايات المعتبرة ما فيه التصريح بالمستثنى منه.

فمنها: ما أخرجه الإمام أحمد من طريق شهر بن حوشب قال: سمعت أبا سعيد وذُكرت عنده الصلاة في الطور فقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “لا ينبغي للمطي أن يشد رحاله إلى مسجد تبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي”[3].

قال الحافظ ابن حجر: وشهرٌ حسن الحديث وإن كان فيه بعض ضعف.

وفي لفظ آخر: “لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا”[4].

ومنها: ما جاء عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “أنا خاتم الأنبياء ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء، صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا في المسجد الحرام” رواه البزار.

فكلامه (صلى الله عليه وسلم) في المساجد ليبين للأمة أن ما عدا هذه المساجد الثلاثة متساوٍ في الفضل، فلا فائدة في التعب بالسفر إلى غيرها، أما هي فلها مزيد الفضل، ولا دخل للمقابر في هذا الحديث فإقحامها يعتبر ضرباً من الكذب على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على من يتحمله إثم الكذب عليه (صلى الله عليه وسلم).

_____________________________

[1]. صحيح البخاري: كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة ومدينة.

[2]. الصلات والبشر ص127.

[3]. انظر فتح الباري، فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة 3: 84.

[4]. مسند الإمام أحمد 3/ 64.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد