ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 21 فبراير 2016 زيارة: 390

 داعش.. ابن الفساد السياسي والتردي الاجتماعي والتحجر الفقهي

(غير مصنفة)
  • مازال هاجس ولادة ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية في كل من العراق وسوريا وتمدده الكبير في سياق زمني محدود يثير اهتمام الباحثين، ولكن تختلف القراءات التي اهتمت بهذه المسألة، ففيما يذهب البعض إلى استدعاء نظرية المؤامرة ومسؤولية القوى الإقليمية عن ظهوره في المنطقة، يذهب البعض الآخر إلى تحميل الثقافة العربية الإسلامية حدا كبيرا من المسؤولية على غرار محمد أبو رمان الباحث الأردني الذي أكد في محاضرة ألقاها مؤخرا أن الأفكار الداعشية نتاج شرعي للمجتمعات العربية.
العرب همام طه
من أين جاء داعش

بالغ فريق من المثقفين والمراقبين في الإنكار والمكابرة والتبرؤ من وحشية تنظيم داعش محاولا النأي بالذات العربية والإسلامية، فكرا وقيما وسلوكا، عن التنظيم وممارساته، عدا الجماعة الراديكالية التي تعد حالة شاذة ودخيلة على مجتمعاتنا، وأغرق فريق ثانٍ في جلد الذات وإدانتها معتبرا الداعشية سمة ثقافية متأصّلة وحقيقة راسخة في “جوهر” الشخصية العربية والإسلامية.

أما الفريق الثالث فاختار أن يسعى، بتوازن وتعمُّق، للجمع بين دراسة الدوافع الذاتية” للظاهرة من جهة، وسبر الظروف الموضوعية المُنتِجة لها من جهة ثانية. ومن هؤلاء الباحث الأردني محمد أبو رمان الذي يرى أن الأساس الصلب في فهم صعود هذه الجماعات والحركات يكمن في أنها ابن شرعي للمجتمعات العربية، وانعكاس أمين وصادق لطبيعة التحولات الخطيرة التي تحدث في العديد من هذه المجتمعات. وهو ما طرحه في محاضرة له بعنوان “داعش: الظاهرة والحقيقة” ألقاها بالمنتدى الثقافي لمؤسسة عبدالحميد شومان في عمَّان.

القابلية الداعشية

يعارض الدكتور أبو رمان، الخبير في شؤون الحركات الإسلامية، “نظرية المؤامرة” في مقاربة مسألة داعش، فهو يعتقد أن داعش “صناعة محلية” وليس كائنا غريبا عن البيئة العربية، وأنه ظاهرة منبثقة من السياق الموضوعي الراهن في العالم العربي. واصفا هذا التوحش الداعشي بأنه مؤشر موضوعي على المدى الذي يمكن أن تصل إليه الانهيارات السياسية والأخلاقية والثقافية والمجتمعية، مؤكدا أن داعش لا يتناقض مع مخرجات الأنظمة السلطوية الفاسدة من جهة، والسياقات الاجتماعية المتردّية من جهة ثانية، وجمود المنظومة الفقهية والفكرية والاختلالات التي تعاني منها من جهة ثالثة.

ولا ينفي أبو رمان وجود دول وقوى فاعلة عملت على توظيف هذا التنظيم واستخدامه؛ لكن ذلك، في نظره، يبقى فقط جزءا من الحقيقة، فيما الشق الأكثر أهمية هو وجود ما يسميه “القابلية الداعشية” في مآل واقعنا السياسي والمجتمعي الراهن.

وفي الجانب الأيديولوجي والفكري، حاول الباحث تفكيك السياق الثقافي المحيط باللحظة الداعشية، وما يحمل في ثناياه من بنية أيديولوجية فكرية وفقهية أولا، وما ينبثق عنه من سلوك دموي ثانيا؛ فيتساءل: أليست أفكار هذا التنظيم منبثقة من ميراث فقهي تاريخي وخطاب ثقافي سائد متداول يقوم على منطق عدم الاعتراف بالتعددية السياسية والحزبية والطائفية والدينية، وتكفير أو تخوين المخالف في الرأي؟ أليست “الفكرة الصورية” عن الخلافة وتطبيق الشريعة بهذا النمط الفقهي – التاريخي، الذي يتجاهل الاجتهاد والتجديد، هي منظومة فقهية سائدة في مؤسساتنا الفكرية والأكاديمية، وحتى الوعظية – الدينية؟ هل موقف “داعش” من الأقليات والمرأة ومفهوم المواطنة والفن والأدب والتعددية الدينية والطائفية مغاير كثيرا عما يدرّس في الكليات ويطرح في المساجد ويقرأ في الأدبيات الفقهية والفكرية؟

من الظلم، أيضا، القول بأنه لم تكن هنالك محاولات ومساهمات اجتهادية وتجديدية معاصرة، بل ثمة جهود هائلة في هذا المجال

ويرفض الباحث المقولة الاختزالية التي تعد داعش إنتاجا مباشرا وتلقائيا للفقه الإسلامي أو الموروث الفكري؛ ففي ذلك، برأيه، ظلم شديد لهذا التراث الكبير، لأن داعش يعمل وفق نتاج عدم ترسيخ ماكينة الاجتهاد والتجديد الفقهي المعاصر، فأصبح التعامل مع الفتاوى الفقهية والأحكام العقائدية المبنية على صراعات تاريخية بوصفها “الشريعة الإسلامية”، وتم وضعها في مرتبة من القداسة والإلزام، في قراءة سطحية لها، دون النظر إلى الشرط التاريخي في إنتاجها.

ويضيف الباحث، أنه من الظلم، أيضا، القول بأنه لم تكن هنالك محاولات ومساهمات اجتهادية وتجديدية معاصرة، بل ثمّة جهود هائلة على صعيد الفضاء الأكاديمي وحتى الخطاب الإسلامي، سواء عبر المدرسة الإصلاحية الحديثة أو حتى على أيدي علماء وفقهاء ومثقفين، لكن لم ينجح هذا التيار الفكري والفقهي والإصلاحي في انتزاع الشرعية المجتمعية.

ويلفت أبو رمان في محاضرته إلى أن “المنظومة الأيديولوجية” المُساعِدة على تبلور التطرف الداعشي تبقى عاملا ثانويا، وليس أساسيا في تفسير صعود هذا التنظيم وانتشاره وتمدده؛ فالمتغير الأكثر أهمية وفعالية، في اعتقاده، يتمثّل في الواقع السياسي السلطوي والاجتماعي.

ويربط الباحث صعود وانتشار التطرف بما يطلق عليه حالة “العنف البنيوي” في المجتمعات العربية بوصفها انعكاسا للعنف المتجذّر في السلوك السياسي، سواء على الصعيد الرمزي أو حتى المادي. فهو يعتقد أن وجود ديمقراطية وعدالة اجتماعية وأنظمة تحترم التعددية الدينية والفكرية والسياسية وتُعزِّز ثقافة المساءلة والحكم الرشيد وتتأسس على قيم المواطنة وسيادة القانون؛ كان سيجنبنا صعود هذه الحركات والجماعات المتطرفة التي تتغذَّى وتنمو على ديناميكية الصراع الهوياتي والطائفي والداخلي. مشددا على أن الإصلاح السياسي يحرم هذه التنظيمات فرص التمدد والانتشار.

ويعتقد أبو رمان أن العنف الداعشي هو جزء من كل، ونموذج لظاهرة العنف في المجتمعات العربية. وإذ يقارن الباحث بين السلوك الدموي الهمجي لداعش وبين العنف الذي تمارسه جيوش وأنظمة عربية وميليشيات؛ ما يؤكد برأيه أن العنف السلطوي والفساد السياسي لم ينعكسا فقط على سلوك “الجماعات الدينية” مثل داعش، بل حتى على المجتمعات والسلوك الاجتماعي.

محمد أبو رمان: جذور التطرف الرئيسية تنبت في قلب الأزمات الوطنية التي تعاني منها بعض المجتمعات

قلق الهوية وأزمة الدولة

ووفقا لأبو رمان، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية، فإن ثمّة أسبابا وعوامل “مفتاحية” لفهم سر صعود داعش وانتشاره خلال الأعوام القليلة الماضية، وأسباب أخرى “مُباشِرة” مرتبطة بالمعادلة العراقية – السورية – اللبنانية والمصالح الدولية والإقليمية في هذه المنطقة من جهة أخرى. ويبدأ المُحاضِر بسبب مباشر يعُدُّه كلمة سر في هذا السياق وهو “القلق السُنّي” العميق، الذي عبَّرت عنه الكاتبة الصحافية ديبورا آموس في كتابها “أفول السنّة”، إذ ينقل الباحث عنها رصدها الشعور السني بتهديد وجودي هوياتي لهم يصل إلى حدود كبيرة في العراق وسوريا ولبنان. فالصراعات الطائفية والهوياتية، وفقا للباحث، وما يرافقها من تداعيات إنسانية، خلقت وحش داعش الذي استطاع أن يملأ الفراغ الاستراتيجي في بعض الدول ويمتلك حاضنة سنيّة، يَعتقد أنها قبلت به اضطراريا، لا اختياريا. ذلك أن حالة الإحباط واليأس والخوف والشعور بتهديد الهوية لدى السنّة في هذه المناطق، هي السبب الرئيس الذي يفسِّر صعود داعش وتمدده.

واستنادا لمقاربة أبو رمان؛ فإن جذور التطرف والتكفير الرئيسة تنبت في قلب الأزمات الوطنية التي تعاني منها بعض المجتمعات، وهي جذور سياسية واجتماعية واقتصادية؛ حيث ينتشر هذا الفكر، بحسب الباحث، في البيئاتالتي تشعر بالتهميش والفقر وغياب العدالة بدرجة رئيسة.

وتتمثل الأسباب العامة التي تجسد الشروط “الجوهرية المفتاحية” لتفسير صعود داعش، حسب الباحث في “أزمة الدولة القُطرية العربية”، بمعنى فشل هذه الدولة وعجزها في التنمية والإصلاح وتحقيق الرفاه الاجتماعي، وغياب الديمقراطية، وتآكل شرعيتها بسبب الفساد المتجذّر فيها.

إن الأسباب البنيوية والتاريخية العميقة لظهور داعش، كما يوضح الباحث، تتلخص في عقود من تراكم الأخطاء الممثلة في هزائم عسكرية وأمراض إدارية وثقافية، وانهيار المنظومات الوطنية الجامعة، وتضعضع القيم الأخلاقية والثقافية، وتراجع مستويات التعليم، والعنف الاجتماعي والفوضى، وانتشار الجرائم والمخدرات والعشوائيات، وفشل التنمية الاقتصادية، وضغوط سكانية.

ويناقش الباحث ما يعتبره “جملة مهمة وبنيوية”، مرَّت في مقابلة توماس فريدمان مع الرئيس أوباما عندما قال: “أعتقد أن ما نشهده في الشرق الأوسط وأجزاء من شمال أفريقيا هو بداية انهيار منظومة تعود إلى الحرب العالمية الأولى”، فهذه الجملة تختزل ليس فقط قضية داعش، بل ما تشهده المنطقة من أزمات الهوية وتفكيك المنظومات الوطنية.

يعتقد أبو رمان يعتقد أن العنف الداعشي هو جزء من كل، ونموذج لظاهرة العنف في المجتمعات العربية

ويسلط الباحث الضوء على حالة من الخوف والهلع التي انتابت الكثير من الشعوب العربية جراء صعود هذا التنظيم، بما يحمله من أفكار متطرفة ممزوجة بشهية الذبح والقتل والتعذيب، مشيرا إلى أن الأمر لا يستحق مجرد القلق بل التفكير مليّا في هذا الوحش الذي وُلد بين أضلعنا، وعدم التهرب من مسؤوليتنا في إنتاجه؛ دون النظر إليه وكأنه كائن خارج السياق.

والملاحظة الثانية، حسب الباحث، تتمثل في أن العامل السيسيولوجي لا الأيديولوجي هو الأساس، رغم أننا لا ننكر وجود التغذية الفكرية وأهميتها في بناء هذا التيار، مستدعيا تعبير الكاتب الصحافي حازم الأمين في مقالة له عن سيرة انتحاري لبناني: “فتِّش عن السيسيولوجيا لا الأيديولوجيا”.

ويلفت الباحث إلى مقررات مؤتمر إقليمي، عُقد في عمَّان، حول “صعود الراديكالية الإسلامية”؛ توافق أغلب المشاركين فيه من خبراء الحركات الإسلامية وعلم الاجتماع على تعريف هذه الحركات والجماعات، بوصفها حركات احتجاج اجتماعي بأيديولوجيا دينية. وتكمن المفارقة التي وصل إليها الخبراء في المؤتمر، في أن البيئة الاجتماعية (في دول مثل الأردن ومصر والمغرب ولبنان) التي تنتج المخدرات والجريمة والعنف الاجتماعي والتمرُّد على القانون هي نفسها التي ينتشر فيها وينمو هذا التيار.

أما الملاحظة الثالثة لأبو رمان فهي أنّ “جرثومة” فناء هذا التنظيم قابعة في بنيته الأيديولوجية والذاتية، فهو باعتقاده ليس قابلا للاستمرار في الحياة، فرغم تمكَّنه من الحصول على حاضنة اجتماعية في بعض المدن والمناطق العربية، إلاّ أن المجتمعات لا تستطيع التكيُّف معه.

وأما الملاحظة الرابعة، وفقا للباحث، فهي أن أي رؤية استراتيجية لمواجهة هذا الفكر والتنظيمات من الضروري أن تتعامل مع المدخلات والشروط قبل التعامل مع المخرجات، سواء كان الحديث عن التنظيم في العراق وسوريا، فالحل سياسي بالأساس، وفي الدول والمجتمعات الأخرى يكمن في المضي في طريق الإصلاح العام وترسيخ الديمقراطية وثقافة التعددية وقيم المواطنة.

همام طه

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد